السيد الخوئي
14
غاية المأمول
ولا يخفى عليك ما فيه ، فإنّ العقل ليس من شأنه الحكم أصلا ، بمعنى أن يبعث نحو شيء أو يزجر عنه . نعم العقل يدرك الحسن والقبيح ولا ربط لإدراكه بالحكم أصلا ، نعم الإنسان بحسب طبعه ميّال إلى ما يلائم حواسّه الخمس - من سماع الأصوات الطيّبة وشمّ الروائح الطيّبة وأكل المأكولات الطيّبة - ولكن لا ربط لها بالحكم والحثّ . ومن جبلّة الإنسان حبّه لنفسه ، وبجبلّته أيضا يحبّ لنفسه ما هو الحسن عنده ويبغض ما هو القبيح لها ، فتراه يدفع عن نفسه كلّما يحتمل مضرّته لنفسه دنيا أو آخرة . وبالجملة ، فالعقل ليس من شأنه الحكم بمعنى الحثّ والردع ، لأنّهما من صفات المولى الحقيقي أو المولى العرفي فليس للعقل حظ فيهما أصلا . وأمّا كون الحاكم بتطبيق آثار القطع حكم العقلاء ( بتقريب أنّ سيرتهم مستمرّة على حسن الإحسان وقبح الظلم والعدوان لحفظ النظام ، ولا ريب أنّ مطالبة العبد بما وراء قطعه ظلم فيكون حينئذ مصداقا لتلك الكليّة ) « 1 » فمعلوم ضعفه ، لأنّ حكم العقلاء موقوف على وجودهم واجتماعهم واستقرار بنائهم على شيء ، ونحن نرى لزوم ترتيب آثار القطع وإن لم نلتفت إلى وجود عقلاء واستقرار بنائهم على لزوم ترتيب الآثار ، فإنّه لو لم يكن في الدنيا إلّا إنسان واحد كان يرى لزوم ترتيب آثار القطع ولا يتوقّف عن ذلك إلى أن يبني العقلاء عليه أصلا . وأيضا فإنّ العقلاء إنّما يحكمون ويستقرّ بناؤهم بالنسبة إلى الأشياء الّتي يتوقّف عليها حفظ النظام الدنيوي ولا ربط لهم بالأمور الشرعيّة ، فأيّ ربط لهم في أنّ القاطع بوجوب الصلاة مثلا يلزمه العمل على طبق قطعه ، فتأمّل . وإذا بطل هذان النظران تعيّن الثالث ، وهو كون العقل يدرك حسن ترتيب آثار القطع لإدراكه قبح الظلم وحسن الإحسان . ولا ريب أنّ ترك أوامر المولى أو عدم الانزجار عن نواهيه من أظهر أنواع الظلم القبيح ، فيدرك العقل حسن ترتيب آثار
--> ( 1 ) ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة .